Sunday, April 08, 2007

إلى أين يا مصر؟


تستمر الحكومة المصرية بتصعيد قضية البهائيين المصريين بعد تدخلها في سير القضاء المصري ورفضها معالجة حق المواطنين البهائيين في الحصول على بطاقة شخصية دون اللجوء إلى تزوير المعلومات فيما يتعلق بديانتهم وإصرارها على إتخاذ قرارات تزيد من انتهاك حقوقهم المدنية وتعقيد المشكلة بدل حله. ويبدو أن هذا أحد ظواهر مرحلة الصراع الداخلي والتخبط في إتخاذ القرارات التي تمر بها مصر حاليا

فمراقبة ما يحدث في مصر فيما يتعلق بالحريات العامة يؤكد أنها كدولة وشعب ومجتمع تمر بمرحلة تاريخية حرجة تحاول فيها تحديد هويتها في الداخل وعلاقاتها مع العالم الخارجي. وتشكل حرية الرأي والعقيدة وما يترتب عليها من حرية التدوين والنشر محورا أساسيا في صراعها الداخلي. حيث تتنافس العناصر التي تنادي بتحديد هذه الحريات تحت راية الحفاظ على الدين وحماية البنية السياسية والاجتماعية الحالية باعتبار أي جديد مكروه وأي حديث مفسدة، مع عناصر اجتماعية أخرى ترى ضرورة مواكبة ما أنتجته الحضارة الإنسانية الحديثة من ضوابط وقوانين تضمن للمواطن حريات فردية تسمح له بممارسة الخيار في العيش والتفكير والعقيدة في إطار يوفر هذه الحريات للجميع دون التمييز بسبب العرق والعقيدة والجنس والعمر

وفي خضم بحثها عن هويتها كمجتمع عربي إسلامي يحاول تحديد علاقاته بمواطنيه المصريين الذين يختلفون عن الغالبية المسلمة بالدين والعقيدة، تواجه مصر واقع عالم خارجي ضاقت الحدود بين دوله وصار تعامل وتعايش الشعوب فيه محكوما بقوانين عالمية ترعى حريات أفراد هذه الدول وتحمي ما أقرت الغالبية العظمى على أنه حق فطري لكل إنسان. عالم قبلت مصر بإرادتها الحرة أن تكون جزءا منه وتخضع لأحكامه ووثائقه بما فيها ما قد يترتب على عدم مراعاة هذه القوانين من ردود فعل سلبية وإجراءات قد تؤثر على علاقتها مع دول العالم الأخرى ونظرة المجتمع الدولي إليها وتعامله معها

ولان مصر لا تعيش في عزلة عن العالم، ولان هذا الزمن الالكتروني لم يعد يسمح بطمس الحقائق وانتهاك الحريات دون رقابة وتقيم، نرى انتهاكات مصر لحقوق الإنسان ومن ضمنها قضية البهائيين المصريين تتخذ بعدا جديدا على الصعيد المصري والعالمي. فلقد صار واضحا للعالم بأن مصر سمحت للمتطرفين الذين ما زالوا يحاولون خلق مصر التي تخدم أفكارهم ومعتقداتهم وتسمح لهم بالسيطرة على عقول وقلوب الناس والحفاظ على مراكز النفوذ والسلطة والتحكم بسير حياة الآخرين دون مراعاة حقوق المصريين أنفسهم بأن يديروا دفة الأمور فيها. وأدى هذا إلى شل قدرتها على إيجاد حلول جذرية وتخبطها في معالجة الأمور وإصدارها أحكاما وقوانين تخرق فيها ما اعترفت به وصدقت عليه من مواثيق دولية ولوائح حقوق الإنسان. ومن الملاحظ أنه قد واكب هذا التخبط في سياسة وممارسات مصر في معالجتها لحقوق مواطنيها ازدياد والوعي الاجتماعي بين المواطنين المصريين وتبلور قدرتهم على التعبير عن أرائهم ومعارضة هذه الانتهاكات التي كثيرا ما أدرجت تحت غطاء الدين أو المصلحة العامة غير آبهين بعواقب معارضتهم وما ينجم عنها من اضطهاد وتعسف ضدهم. وهذا دليل قاطع على وجود أفراد وكوادر مصرية شجاعة قادرة على استيعاب حقيقة واحتياجات الشعب المصري والعمل بما فيه مصلحة أفراده

اعتقد أن تطور الحضارة الإنسانية بشكل عام أدى إلى نشوء وعي وأدراك مشترك بين أفراد المجتمع البشري و زاد إيمانهم بجذرية العلاقة التي تربط أفراد البشرية في هذا العالم الواحد الذي صارت حرية الفرد فيه من البديهيات. وكان لنشوء هذا الوعي الحضاري بأهمية الحفاظ على الحرية المدنية لجميع أفراد المجتمع العالمي تأثير إيجابي على تزايد وعي المصريين بأهمية وضرورة حماية حقوق المواطن المصري والدفاع عنها. وساعدت الشبكة الكترونية التي لا تخضع رغم محاولات بعض الحكومات قمعها وتقيدها لحدود جغرافية أو قوانين رقابة، إلى ازدياد الترابط بين الوعي العالمي لحقوق الإنسان ووعي المواطن المصري ومطالبته بحقوقه المشروعة. ودعم هذا توفر المعلومة وسرعة وسهولة توصيلها للعامة عن طريق المدونات والمواقع الالكترونية التي وفرت منابر تعرض عليها هذه القضايا وتناقش بشفافية عالية على مرأى من المجتمع المحلي والعالمي

ورغم أن محاولات البهائيين المصريين، تدعمهم منظمات حقوق الإنسان المصرية والمدونات والمواقع المصرية المنصفة، لم تنجح في الحصول على حقوقهم المشروعة والوصول إلى حل عادل لقضيتهم، بل أن الاضطهاد ضد حقوق الإنسان المصري في الآونة الأخيرة تعدى البهائيين ليطول منظمات حقوق الإنسان والمدونيين المصريين أنفسهم،
لكننا بدأنا نرى ردود فعل المجتمع العالمي تجاه ممارسات مصر فيما يتعلق بحرية المعتقد وحرية التعبير ضد المصريين من بهائيين وغيرهم. فلقد طرحت انتهاكات حقوق الإنسان في مصر في العديد من برلمانات الدول الغربية ذات العلاقة الوثيقة بمصر و التي تقدم دعما ماليا معتبرا للحكومة المصرية ومنها أمريكا وكندا وبريطانيا والمانيا. ودعا بعض البرلمانيين الغربيين إلى إعادة النظر في هذه العلاقة والحد من الدعم الذي تقدمه هذه الدول لمصر بناء على انتهاكاتها لحقوق الإنسان وحرية الاعتقاد. فعلى سبيل المثال صرح البرلماني الأمريكي ترنت فرانكز لجريدة واشنطن بوست بأنه سيصوت ضد التصديق على اعتماد الإعانات المالية لمصر نتيجة ما يراه من انتهاك مصر لحقوق مواطنيها خاصة حقهم في الاعتقاد والتعبير عن آرائهم كما هي الحال فيما يتعلق بقضية البهائيين والمدون كريم

ومن الواضح أن الصحافة المصرية بدأت تعي حجم القضية وأبعادها. فلقد نشرت العديد من المقالات المتعلقة بهذا الصدد كان آخرها ما نشرته المصري اليوم بتاريخ 6 ابريل تحت عنوان استجواب برلماني للحكومة الألمانية عن «اضطهاد البهائيين» في مصر عرضت فيه الصحيفة بأمانة علمية مضمون ما طرح في البرلمان الألماني بهذا الخصوص. اضغط هنا لقراءة نص المقال الكامل

والسؤال هنا هو، الى أين سيذهب المسئولون المصريون بمصر؟ وهل يعرفون تأثير انتهاكاتهم لحقوق الإنسان المصري على المجتمع المصري وأفراده؟ هل يستوعبون مدى أثر هذه الممارسات على نظرة المجتمع العالمي لمصر وتعامله مع قياداتها؟ لقد كان العالم ينظر إلى مصر في السابق على أنها الصوت الراشد والحكيم في المجتمع العربي، ولكن ما قامت وتقوم به هذه الأيام من انتهاكات لحقوق مواطنيها أخد يغير نظرة العالم لها ويدرجها في صفوف الدول الأكثر تعسفا ضد مواطنيها وانتهاكا لحريتهم فيما يخص العقيدة والتعبير. وأنا في الحقيقة ينتابني الشعور بالقلق والترقب تجاه ما سيجلبه إصرار مصر على الاستمرار في سلوك نهجها الحالي وما قد يترتب على ذلك من ازدياد تأزم الأمور. ونحن ندعو الله أن تنجل الأزمة المصرية ويتحقق عن قريب ما أشارت اليه الإدارة البهائية العالمية - بيت العدل الأعظم - في خطابها الموجه للبهائيين في مصر تعدهم فيه بأنه: "لا شك أن مصر اليوم سوف تنهض لتسهم من جديد بصورة تليق بمكانتها في تحقيق ذلك السلام العالمي الموعود وتلك الرفاهية التي تحلم بها أمم الأرض جميعه". اضغط هنا لقراءة النص ا لكامل لخطاب بيت العدل الاعظم الموجّه للبهائيين المصريين بتاريخ 21 ديسمبر 2006 م

5 comments:

Anonymous said...

في الحقيقة ينتابنا جميعا القلق على مصر وما سوف يصير اليه حالها، "فاضغط يولد الانفجار" وانشاء الله تكف مصر عن الضغط على ناسها

منال

نسرين said...

شكرا على التعليق يا اخت منال

يبدو ان العالم بشكل عام يحاول أن يعيد النظر في بعض المفاهيم التي اعتبرها في الماضي حقائق وبديهيات. الشجاعة في ان نقبل إعادة النظر في الامور بناء على حقائق جديدة لم تكن واضحة لنا في السابق

نتمنى لو تكف الادارة المصرية عن محاولة إرضاء بعض العناصر الدينية المتطرفة وأن تقوم بدل ذلك بالنظر الى حقائق الأمور وإتخاذ قرارات تؤدي الى مافيه خير مصر وكل المصريين

Faisal said...

يعترف الكثير مثلا ان نظام كومبيوتر الآبل ماكنتوش كانت له مزايا من الاول افضل من مزايا نظام المايكروسوفت وخاصة في التسعينات من القرن العشرين ولكن شركة آبل أصرت على عدم فتح النظام لمشاركة الغير وأصرت على اسعارها الباهضة ومن ثم بقى احتكارها للسوق لايزيد على عشرة بالمئة وبقت شركة صغيرة ولكن مع ذلك فان الخمسين الى المئة شخص من مدرائها العالين أصبحو من الأغنياء الكيار ولم يهمهم ان الشركة لم تنم وان اكثر الناس لم يستمتعوا بنظام الكومبيوتر الأحسن

فبالمثل , مادامت حياة المسؤولين المصريين هي حياة استمتاع بخيرات مصر دون مشاركة الآخرين بها سيكون من الصعب عليهم ان يدركوا تأثير انتهاكاتهم لحقوق الإنسان المصري على المجتمع المصري وأفراده

نسرين said...

شكرا يا أخ فيصل على التعليق

معك حق. إن مصالح الأفراد وحرصهم على البقاء في السلطة لما تجلبه هذه السلطة، بغض النظر عن كونها دينية أو سياسية، من ربح مالي يدفع الأفراد المسئولين في الكثير من الأحيان إلى التمسك بهذه السلطة والقيام بما يضمن الحفاظ عليها حتى لو كان ذلك على حساب المواطن. ولكن من جهة أخرى نرى الوعي الاجتماعي للمواطن العربي وفهمه لحقوقه المشروعة بدأ بالازدياد في مجتمعنا العربي بشكل عام والمجتمع المصري بشكل خاصة. وأنا أعتقد بأن إرادة الشعوب سوف تطغى بالنهائية على مصالح الأفراد

sonya said...

انا استبشر خيرا باذن الله فكلما ازداد الظلام كان اقتراب طلوع نور الفجر وسوف ينير الله الارض بنوره ويرفع الظلم عن البشرية